سيد قطب

2006

في ظلال القرآن

وهنا تعرض شبهة . . أليس في قول يوسف - عليه السلام - : « اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ » . . أمران محظوران في النظام الإسلامي : أولهما : طلب التولية ، وهو محظور بنص قول الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنا واللّه لا نولي هذا العمل أحدا سأله ( أو حرص عليه ) . . . ( متفق عليه ) . وثانيهما : تزكية النفس ، وهي محظورة بقوله تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » ؟ ولا نريد أن نجيب بأن هذه القواعد إنما تقررت في النظام الإسلامي الذي تقرر على عهد محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأنها لم تكن مقررة على أيام يوسف - عليه السلام - والمسائل التنظيمية في هذا الدين ليست موحدة كأصول العقيدة ، الثابتة في كل رسالة وعلى يد كل رسول . . لا نريد أن نجيب بهذا ، وإن كان له وجه ، لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقا ، وأوسع آفاقا من أن يرتكن إلى هذا الوجه ؛ وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها ، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص ، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها ، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود ! إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ ! . . لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم ، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية . كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم ؛ إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي . . وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة ؛ كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي ؛ وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية . والذين يأخذون اليوم تلك النصوص والأحكام المدونة ، دون إدراك لهاتين الحقيقتين ؛ ودون مراجعة للظروف والملابسات التي نزلت فيها تلك النصوص ونشأت فيها تلك الأحكام ، ودون استحضار لطبيعة الجو والبيئة والحالة التي كانت تلك النصوص تلبيها وتوجهها ؛ وكانت تلك الأحكام تصاغ فيها وتحكمها وتعيش فيها . . الذين يفعلون ذلك ؛ ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ ؛ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ . . هؤلاء ليسوا « فقهاء » ! وليس لهم « فقه » بطبيعة الفقه ! وبطبيعة هذا الدين أصلا ! إن « فقه الحركة » يختلف اختلافا أساسيا عن « فقه الأوراق » مع استمداده أصلا وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها « فقه الأوراق » ! إن فقه الحركة يأخذ في اعتباره « الواقع » الذي نزلت فيه النصوص ، وصيغت فيه الأحكام . ويرى أن ذلك الواقع يؤلف مع النصوص والأحكام مركبا لا تنفصل عناصره . فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته ، واختل تركيبه ! ومن ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته ، يعيش في فراغ ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها . . إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ ! ونأخذ مثالا لهذا التقرير العام هذا الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب ،